Saturday, 25 March 2017

بين عقارب موريس.. ومأساة الفئران.. والتيه في الأدغال (3)


  • تنبيه: هذه المقالة جزء ثالث من سلسلة مقالات ثلاث تتكرر فيها المقدمة ذاتها كل مرة، إن كنت عزيزي القارئ قد قرأت الجزء الأول منها، فأنصحك بتخطّيها.

المقدمة 

“أبو الفنون” لم تطلق هذه العبارة على المسرح عبثا، إذ طالما كانت ولا زالت خشبته مرآة لوجع الشعوب ومنبرا لثاراتهم وملجأ لسخطهم وأحزانهم، وكوني هائمة في هذا الفن الجميل لم أترك مسرحا في لندن إلا و وثبت بين كراسيه، أسيرة لدهشته و ممسوسة بموسيقاه ومهووسة بأدق عقده وصراعاته، وكوني قد قضيت إجازة الصيف في الكويت، حرصت على حضور المسرحيات التي تُقدم في العيد، حيث حثّني أقربائي أن المسرح في الكويت لا يقل عمّا يقدم في لندن، وحتى أقيّم شخصيا، ارتأيت أن أحضر ثلاث مسرحيات قُدّمت هذا العيد؛ الفئران، ساعة موريس، و زين الأدغال، وقد كان اختياري لهذه المسرحيات بالذات لأسباب، أهمهما؛ أن الأولى و الثانية هي ناتج خيال المؤلفين الخصب و أفكارهم الأصيلة، لذا في زمن يشح فيه الخيال كان لابد أن أنتصر للإبداع الفردي، بينما حضرت الثالثة لكونها مكتوبة بالفصحى و أنا أؤثر اللغة، وإن كانت فكرة العمل مقتبسة. في هذا المقال سأطرح رأيي النقدي القائم على النص المسرحي المكتوب، فأنا باحثة دكتوراه في الأدب، ورغم كون المسرح عملا أدبيا في المقام الأول إلا أن هذا لا يبيح لي نقد أمور أخرى ترتبط فيه، لذا فإن تركيز المقال سيكون على القصة و مضمونها لا على السينوغرافيا أو الديكور أو الإخراج، فهذا أمر لا تخصص لي فيه. سأذكر إيجابيات وسلبيات كل عرض حسبما رأيت، وقبل أن أبدأ بالسرد أريد أن أُلفت عناية القارئ أن هذا المقال سيُنشر على أجزاء ثلاثة، ولم يُكتب بدعوة من أصحاب المسرحيات الثلاث، بل قمت شخصيا بشراء تذاكر كل منها كي لا يُؤخذ ما سيقال محاباة أو هجوما.. 

زين.. الأدغال

إن الكتابة بالفصحى لهو أمر شجاع في هذا الوقت المهووس بحمى التغريب شكلا وهوية ولغة، الأمر الذي يجعلني دائما أحترم الكاتبة هبة مشاري حماده رغم تحفظاتي العديدة على أعمالها. زين الأدغال لم يكن العمل الوحيد الذي حضرته للكاتبة وفريقها، بل سبق لي أن حضرت عملها زين والوحش سابقا، والذي ما أزال معجبة به رغم امتعاضي من كون القصة ليست من خيال الكاتبة الأصيل إلا أنها أبدعت بإعادة قراءتها وطرحها. لكن .. تركيزنا هنا على عملها المسرحي الأخير “زين الأدغال” والذي لا أراه “زينا” أبدا وسأوضح وجهة نظري بالتفصيل لاحقا بعد استعراض الإيجابيات، إنصافا واتباعا للموضوعية.

قصة زين الأدغال هي مزيج بين قصتي “طرزان” و “ماوغلي فتى الأدغال”. حلا الترك تمثل الطفل الذي وجد في الغابة وحيدا، ليتلقفه الحيوانات أهلا وأصحابا ورعاة، يقومون على نشأتها وتربيتها، إلى أن تعيَ حلا أو “زين” كما تمثل في المسرحية، الاختلافات بينها وبين من قاموا على تربيتها ورغبتها بالانضمام إلى بني جنسها، ثم يتبين لها أن البشر يضمرون الشر للحيوانات فتقوم بتخليصهم من الفخ، لتنتهي الحكاية بعدم الرغبة للعودة إلى الغابة ولا إلى البشر، ورغبتها بشق طريقها وحدها، مما أصابني حقا بالحيرة! والتساؤل عن جدوى النهاية التي تبثها هبة في نصها. تناقش المسرحية قضايا جميلة مثل: أزمة الهوية، التفرد والتقليد، والانتماء. قضايا أراها عميقة وضرورية للطرح، لكنني للأسف لا أرى أن الكاتبة استطاعت إيصالها بشكل مفهوم للطفل أولا ثم للراشدين.

الإيجابيات

  • الديكور والإضاءة والأزياء والإخراج المسرحي، عوامل كانت جميلة جدا استطاعت أن تجعلنا نعيش في عمق الأدغال، لنعيش التجربة كاملة وننتقل من الواقع إلى الخيال.

  • أداء الممثلين وحركتهم ورقصاتهم تنبئ عن موهبة فذة وطاقة جذابة تجذب الأطفال وتخلب ألبابهم، مما أثار بهجة الصغار وزاد من متعتهم.

  • جمهور هذا العرض بالتحديد كانوا على قدر كبير من الاحترام ومراعاة النظام، الأمر الذي جعل التجربة المسرحية ممتعة.

  • بطل المسرحية بحق كان لحنها. بشار الشطي الملحن بإبداعه وموهبته استطاع أن ينقذ النصّ، وجعلنا نعيش بهجة الغابة من خلال الموسيقى، أمر أعتبره يحسب لبشار، وضروري لنصوص هبة دائما.

  • عملية الحجز كانت سهلة سلسة عبر الإنترنت. تضمن سرعة الحجز وتسهل عقبات الطريق للناس. 

  • المسرح كان مجهزا بكافة احتياجات الجمهور، من مكان لأداء الصلاة وغيرها من التسهيلات التي وفرت الراحة للزائرين.


السلبيات

  • تبعا لتخصصي في الأدب و النقد فإن أول سلبية تتبادر إلى ذهني هو اعتراضي جملة وتفصيلا على تسمية زين الأدغال بالمسرحية، ويمكنني القول أن الاسم الصحيح لها هو مسمى عرض. ذلك لأنها تفتقد أهم عناصر المسرحية وهو الصراع ودور الشخصيات في صناعة الحدث. العمل كله يتمحور حول شخصية زين. رغم زحمة الشخصيات الموجودة والتي يؤديها فنانون موهوبون إلا أننا لو أزلنا شخصة زين من العمل سينهار أمامنا تماما، لأننا سنعي أن الشخصيات الأخرى لا دور لها أبدا.

  • العرض فعليا بالنسبة لي لا يبدأ إلا في اللوحة الخامسة، حين يكتشف الحيوانات وجود زين في الغابة، ويبدأ النقاش في البت بأمرها. عدا ذلك فإن اللوحات الأربع السابقة ليست عبارة إلا عن رقص واستعراض لا يمت أبدا للقصة والأحداث بصلة. الأمر الذي يؤدي بنا إلى السلبية الآتية.

  • انفصال الحوارات عن حقيقة مجرى الأحداث. تتميز هبة في كتابتها بالروح التي تعكس فكرها وعمقها وهذا أمر لا جدال فيه.،لكن في كتابة النص المسرحي علينا أن نفرق بين كتابة الخواطر وكتابة المشهد. يبدأ العمل بشخصية الطير الذي يقول:
    “شكرا يا رب..
    شكرا من قلب..
    على الكسر فقد عرفت بأن
    ما قد قتلني قوّاني”
    إلى بقية الأغنية.. وهنا أسأل.. ما علاقة هذه الكلمات باللوحة الأولى، فاللوحة فقط تصور لنا الطير ينشد هذه الكلمات دون وجود أي ترجمة بصرية لها، بمعنى أن المشهد ليس به ما يعطي هذا المعنى من خلال التمثيل، وقد نتساءل، هل نحن بحاجة إلى سبب كي نشكر الله؟ بالطبع لا! لكن أكرر، نحن لسنا أمام ابتهالات، أو خواطر، نحن أمام عمل مسرحي والذي من أبجدياته أن يدور حواره حول الحدث. وإن كان يوحي بحكمة، فالحكمة تأتي من خلال الحوار لا المباشرة.

  • انفصال الحوار عن المشاهد أمر سلبي يستمر طوال المسرحية. مما يؤدي بنا إلى سلبية أخرى. في لوحة ما تشرح الكاتبة على لسان الحيوانات ما يحدث في الأدغال فتقول:
    “في الأدغال سترى الأشجار
    و ترى الأحلام
    من أضخم فيل إلى نملة”
    والسؤال هنا: لماذا يُروى لنا ما في الأدغال وما يجري بها وهو بَيِّن من خلال الديكور والأزياء؟ بدل أن نراه صراعا يتجسد من خلال الأحداث وتناميها وتصاعدها. القاعدة في المسرح تقول: “
    show don’t tell”، “أظهر لا تقل”. أي اجعلنا نرى ما في الأدغال من صراع القوي مع الضعيف، وتداخل المتناقضات ودورها في صنع مصطلح الغابة. بدل أن تكون اللوحة عبارة عن سرد لا يتعدى الإخبار والتقرير.

  • عدم فاعلية الشخصيات. هناك لوحات تالية مخصصة لشخصيات الحيوانات: الفيل و القرد والدب. لوحات جميلة استعراضيا لكنها فقيرة معنويا. كل لوحة تشرح صفات ومميزات وعيوب كل حيوان حين تحاول زين تقليد كل واحد منها. المشكلة هنا أن هذا عرض مسرحي لا تعليمي. ابن أختي الذي كان يبلغ السنتين و النصف آنذاك كان يعرف تسمية الحيوانات وصفاتها. فما الذي سيضيفه إليه التكرار؟ يعلم أن الفيل له خرطوم طويل وأن الدب يحب العسل. لكن ما علاقة هذه المعلومات في تصاعد الأحداث؟ ما الذي قام به الفيل ليزيد في عقدة النص؟ ما دور الدب في تأجيج صراع الهوية لدى زين؟ أربع لوحات كاملة لم يكن هدفها إلا أن تخبرنا أن زينا ليست فيلا ولا دبا ولا قردا، الأمر الذي يبدو جليا من نظرة واحدة مجردة إلى زين وأصحابها!

  • عدم مناسبة محتوى الكلام للطفل. لو كان العمل كتابا أو مجموعة خواطر لكنت من أوائل المعجبين بما خطته هبة في عملها. لكن نظرا لكون العمل مسرحيا موجها للأطفال، فهنا أقف اعتراضا. في إحدى اللوحات تقول الكاتبة: “إن الخوف يخاف ممن يضحك له مرة” “إن الضيق يضيق ممن يتسع صدره” “إن الموت يموت..” وغيرها من العبارات الفلسفية التي لن يستوعبها الطفل، ولا تمت للأحداث بصلة. إن أجمل ميزة في المسرح هي رمزيته واعتماده على لا مباشرة الطرح الأمر الذي يخلق مساحة رحبة لتبطين الرسائل، فلماذا إذن تلجأ حماده بخبرتها إلى الأسلوب الوعظي المباشر بلغة مرهقة لذهن الطفل؟ ألم يكن من الأجدر تحويل هذه المعاني وتصويرها من خلال الأحداث وعقدتها؟

  • لا منطقية الخيال. وقد تتساءل هنا كيف يحدث ذلك؟ ما علاقة الخيال بالمنطق؟ من إحدى النصائح التي وجهت لي خلال التحاقي بإحدى ورش كتابة المسرح في لندن كانت” علينا احترام عقلية الطفل وتقديم الخيال له بشكل ممنطق”. مثال على ذلك فيلم “”Shark tale الذي كان يطرح شخصية قرش يصاحب الأسماك الصغيرة، والتي تعدّ قوت قومه، وسبب ذلك أن القرش كان نباتيا، مما جعله عارا على صنفه. وهنا قدم الفيلم سببا خياليا لكنه منطقي لمصاحبة القرش لغيره. الأمر الذي يأتي بنا لسؤال الكاتبة: كيف للفهد أن يكون صاحب الغزالة والأرنب؟ يعيش معهما بتناغم وانسجام دون رغبة في أكلهما، رغم أن الفهد نفسه يرد في إحدى اللوحات:
    “ زين: كل يوم أفتح عينيّ على غزالة تفلت من نمر.
    النمر: لأنها قد تكون أو فلا”
    إذن الفهد، صاحب النمر، يقر بأن الغزالة فريسة له، كيف إذن يعيش معها بسلام مدركا هذه الحقيقة؟ ما المنطق الذي تمنحه الكاتبة للطفل ليستوعب هذه العلاقة؟ ولو عولنا على الخيال، لماذا تلجأ الكاتبة لكسره من خلال سرد هذه الحقيقة؟ أمر أظن على الكاتبة أن تفكر به مليا!

  • ركاكة اللغة. كما ذكرت مسبقا.. أشجع هبة دائما وأحترمها لإيثارها الفصحى. لكن النص يحتاج تدقيقا لغويا ونحويا. الأخطاء شوهت العمل. وتعقيد العبارات منع أي تواصل بيننا وبين النص. وعتبي على هبة هنا شديد لأنها صاحبة تخصص، كذلك لا يفوت على مثلها أخطاء بديهية في اللغة. وأنا هنا ممتعضة، لأن مسؤولية اللغة والحفاظ عليها لم تكن في أولويات الكاتبة. وإن كانت فعلا حريصة، فلماذا لم تجعل العمل يمر على مدقق لغوي ينقذها من هذا الإحراج والأمثلة على ذلك كثيرة ومريرة.. 
    “ لا تسكن عينيك أحدا فيعميك لما تغلق”.. لما أداة جزم وإن كان القصد هنا حين أو عندما، فلما تؤدي هذا الغرض مع الفعل       الماضي لا المضارع! كذلك فإن العبارة تفتقد السلاسة.
“أمسك بالرجلا” و الصواب .. أمسكْ بالرجلِ لأن الباء حرف جر.. وغيرها من الأخطاء التي لا عدّ لها!

  • النهاية. في ختام المسرحية ترفض زين الانضمام للبشر، وترفض كذلك الانتماء للحيوانات، بل وتعلل ذلك باستهزائها بالكائنات التي اعتنت بها وآوتها حين لم تجد من يأويها. لربما أرادت الكاتبة أن تبرز التمرد قيمة هنا حيث ترفض الانقياد وسط القطيع أو التقليد وهذه فكرة جميلة، ولكن السؤال.. هل التمرد مباح على من لم يقدموا لنا إلا المعروف والإحسان؟ وهل التفكير المتفرد يبيح انسلاخ الفرد من انتمائه؟ وهل النضج مدعاة للتقليل من شأن الآخرين؟ لماذا لم تكن زين وفية لأصدقائها الذين لم يقدموا لها إلا الحب؟ وهل التمرد حجة تنفي الوفاء؟ وهل يجب أن يُبنى التفرد على إلحاق الأذى بالآخرين أسئلة أوجهها لهبة حمادة إثر نهاية العمل. 

ختاما، تعلمت من الشاعر الكبير والصديق العزيز نجاح العرسان قيمة جميلة ذات حديث، عندما قال معلقا على قولي إنني صعلوكة:” انتبهي يا دلال الصعلكة عملية منظمة، لا فوضوية” رسالة أوجهها للكاتبة: إن كان التمرد قيمة فيجب أن يكون لها تداعياتها وأسبابها. والقيم لا تتضارب مع بعضها، فالتفرد لا يلغي الوفاء، والذكاء لا يبيح الاستهزاء. إنني أتمنى أن أرى عملا مسرحيا من خيال هبة حمادة الأصيل، دون اقتباس في المستقبل. لأنني أتمنى أن أرى عملا أصيلا بعيدا عن التبني، ومتصلا أكثر بثقافتنا. وإن كان ولابد، فالتراث العربي يزخر بآلاف القصص تنتظر منا الالتفات. أتمنى من الكاتبة أن تجتهد في ذلك عوضا من إعادة قراءة قصص تم طرحها مرارا وتكرارا.

التقييم النهائي للعمل: 5 من 10.

ملحوظة: طرحت الشركة المنتجة للعمل نسخة على موقع YouTube يمكنكم أن تطلعوا عليها لتقيموا المقالة ومدى اتفاقكم أو اعتراضكم مع ما طرحت. سيسرني جدا لو تكرموني بتعليقاتكم. 



دلال البارود