Thursday, 12 January 2017

بين عقارب موريس.. ومأساة الفئران.. والتيه في الأدغال (2)


  • تنبيه: هذه المقالة جزء ثانٍ من سلسلة مقالات ثلاث تتكرر فيها المقدمة ذاتها كل مرة، إن كنت عزيزي القارئ قد قرأت الجزء الأول منها، فأنصحك بتخطّيها.

المقدمة 

“أبو الفنون” لم تطلق هذه العبارة على المسرح عبثا، إذ طالما كانت ولا زالت خشبته مرآة لوجع الشعوب ومنبرا لثاراتهم وملجأ لسخطهم وأحزانهم، وكوني هائمة في هذا الفن الجميل لم أترك مسرحا في لندن إلا و وثبت بين كراسيه، أسيرة لدهشته و ممسوسة بموسيقاه ومهووسة بأدق عقده وصراعاته، وكوني قد قضيت إجازة الصيف في الكويت، حرصت على حضور المسرحيات التي تُقدم في العيد، حيث حثّني أقربائي أن المسرح في الكويت لا يقل عمّا يقدم في لندن، وحتى أقيّم شخصيا، ارتأيت أن أحضر ثلاث مسرحيات قُدّمت هذا العيد؛ الفئران، ساعة موريس، و زين الأدغال، وقد كان اختياري لهذه المسرحيات بالذات لأسباب، أهمهما؛ أن الأولى و الثانية هي ناتج خيال المؤلفين الخصب و أفكارهم الأصيلة، لذا في زمن يشح فيه الخيال كان لابد أن أنتصر للإبداع الفردي، بينما حضرت الثالثة لكونها مكتوبة بالفصحى و أنا أؤثر اللغة، وإن كانت فكرة العمل مقتبسة. في هذا المقال سأطرح رأيي النقدي القائم على النص المسرحي المكتوب، فأنا باحثة دكتوراه في الأدب، ورغم كون المسرح عملا أدبيا في المقام الأول إلا أن هذا لا يبيح لي نقد أمور أخرى ترتبط فيه، لذا فإن تركيز المقال سيكون على القصة و مضمونها لا على السينوغرافيا أو الديكور أو الإخراج، فهذا أمر لا تخصص لي فيه. سأذكر إيجابيات وسلبيات كل عرض حسبما رأيت، وقبل أن أبدأ بالسرد أريد أن أُلفت عناية القارئ أن هذا المقال سيُنشر على أجزاء ثلاثة، ولم يُكتب بدعوة من أصحاب المسرحيات الثلاث، بل قمت شخصيا بشراء تذاكر كل منها كي لا يُؤخذ ما سيقال محاباة أو هجوما.. 

عقارب موريس

“ساعة موريس” عرض مسرحي جميل من خيال وتأليف الفنانة هند البلوشي، وإخراج يوسف البغلي. ترفع القبعة لهند التي غامرت وخاطرت بإنتاج فكرة من خيالها الأصيل دون اقتباس، لتبرهن فعلا أن المسرح الكويتي عامر بالمواهب والقدرة على التأليف دون الاستناد الممل الدائم على قصص عالمية وأفلام تم عرضها مرارا وتكرارا دون إضافة.

تتمحور قصة المسرحية حول جسم مادي يثير ألف سؤال معنوي، الساعة التي تمنح القوة لمن يملكها لكنها تسلب منه أغلى ما يحب، وما هذا الصراع إلا بداية لطوفان من أسئلة أخرى إنسانية لا عدّ لها، لماذا يلهث الإنسان وراء السلطة؟ وهل تستحق النفوذ كل هذا الجوع؟ وما الذي سيخسره الإنسان إن أطلق أشباحه نحوها؟ وماذا بعد الخسارة؟ أسئلة جميلة استطاعت مؤلفة العمل أن تصورها لنا بصريا حين تنتقل السلطة أو الساعة بين شخص وآخر، لتجعلنا نتجرع مرارة الخسران ولاجدوى الصراع الذي لا يولد إلا الظلم و الطغيان على أنفسنا أولا ثم على الآخرين. طريقة سرد القصة كانت مشوقة تخلب انتباه المشاهد منذ أول مشهد وتوقعنا في دوامة من الحيرة إلى المشهد الأخير.

أن يبدأ العرض المسرحي بجريمة فهذا أمر معتاد، لكن أن نكون على قلق وشك دون أدنى تخمين لهوية القاتل، فهذا أمر يُحسب لهند إيجابيا. كما أن النهاية المفتوحة التي صفعتنا آخر العرض المسرحي، دليل على تميز هند كاتبة ومؤلفة قبل أن تكون فنانة ومبدعة. أستطيع القول إن هذا العرض المسرحي بالنسبة لي كان شمس أمل للأعمال التي ستقام مسقبلا في الكويت. وأظن أن هندا قد رفعت من سقف التحدي على مستوى القصة والتأليف وصعّبت على نفسها أولا ومنافسيها ثانيا طرح أي فكرة جديدة قادمة، لكن أظن هندا على قدر هذا التحدي. وكأي عمل إنساني في هذه الدنيا، لابد أن يكون للعمل إيجابيات و سلبيات، ودائما ما أفضل أن أبدأ بالشيء الجميل.

الإيجابيات

  • حجز بطاقات الدخول كان متوفرا من خلال موقع إلكتروني، مما سهّل عملية الحجز. و وفّر على الناس مشقة الجو والطريق، خصوصا أن الجو كان قاسيا في رمضان الماضي.

  • تنظيم المقاعد والدخول كان احترافيا جدا، وتعامل المنظمين مع الجمهور كان بمنتهى الدقة والاحترام.

  • أداء الممثلين كان رائعا، مما يدعو للفخر والفرح بوجود أداء مسرحي يرقى للمعايير العالمية. الديكور والأزياء والفقرات الاستعراضية لا تقل عن أي عرض مسرحي عالمي حضرته في لندن.

  • كلام الأغاني كان جميلا غنائيا مهذبا يحتوي على مضمون رائع مفهوم لجميع أفراد الأسرة صغيرها وكبيرها، مما يتيح تواصلا أكثر بين النص والجمهور، الأمر الذي يشعل حرارة التفاعل والارتباط أكثر بالأحداث.

  • إبداع سرد الحكاية، والابتعاد عن التقليدية، والاعتماد على العرض والتصوير في اختصار مجريات القصة، مما يقلل من التعبير المكرر المعتاد ويبهر الجمهور تبعا للمقولة المسرحية الشهيرة “show dont tell” الأمر الذي نجحت به هند جدا في مسرحيتها.

  • مدة العرض المسرحي تعتبر عادلة بالنسبة لسعر تذكرة الدخول. فساعة موريس -بين العروض الثلاثة التي حضرتها- كانت الأنسب مدة في تهيئة القصة، ومنح مساحة لكل شخصية وحدث، للنمو التدريجي والوصول إلى أوج عقدة الصراع لتحل بنهاية صادمة غير متوقعة.

السلبيات

  • لم يكن مكان العرض مهيأً جدا للجمهور، فقد كان يفتقد أهم عنصر لراحتهم، وهو وجود مكان لأداء الصلاة، خصوصا و أن العرض كان يبدأ بعد أذان المغرب مباشرة.

  • قد لا يكون لي خبرة في الأمور الفنية، لكن من وجهة نظر المتلقي، كنت أرى أن هناك بعض الأسباب التي جعلتني أشعر بالملل في منتصف العرض. لم يكن هناك تنوعا واضحا في الألحان لكل مشهد، مما جعلني أشعر أن المشاهد متكررة رغم اختلاف وتنوع الأحداث. الأمر الذي يؤثر سلبا كذلك على شخصيات العمل، فالتنوع الموسيقي لا يرتبط فقط باللوحات بل بنضج وتصاعد وتلون الشخصيات كذلك.

  • رتابة الإضاءة واعتمادها فقط على اللونين الأخضر والأسود، ساهمت أيضا بالملل واختلال الإيقاع المسرحي.

  • بعض مشاهد المسرحية لم تكن واضحة صوتيا، وهذا الأمر يقع على اعتماد الممثلين على تسجيل صوتي للأغاني، دون الغناء الحي ووجود فرقة موسيقية دائمة تصحب العرض، الأمر الذي تفرّد به الفنان محمد الحملي فقط في عروضه. أغلب الفنانين المشاركين يمتلكون حناجر ذهبية كانت ستضفي ألقا للعرض، وفهما أكثر للكلمات. أمر أتمنى أن تأخذه هند بالاعتبار في عروضها القادمة.

  • بعض المشاهد جعلتني أشعر بأن العمل قد يكون صدى لأعمال أخرى، الإضاءة ذكرتني بمسرحية “Wicked” الشهيرة، كما أن الملابس التي يرتديها الثوار في العرض ذكرتني بعرض “Les misérable” العالمي، وأنا لا أتهم هندا هنا بالتقليد، لكن أتمنى أن تحذر من محاكاة عروض أخرى كي لا يتهمها الجمهور بالاستنساخ.

  • الجمهور، أعلم يقينا أن هذا الأمر ليس بيد المنظمين بتاتا، لكن للأسف، عدد ليس بالقليل لم يحترم العرض وكان يكثر الكلام والضحك والاستهزاء، مما يفسد على الآخرين متعة التجربة المسرحية.

  • كذلك بيع بعض المنتجات المضيئة للأطفال والتي تؤثر على الرؤية وهي بعيدة كل البعد عن كونها آمنة، لاحتمال تسببها في أذية وضرر الآخرين أمر أعده سلبيا جدا، ويُؤْثر الربح المادي، على الارتباط المسرحي.

ختاما.. شكرا هند البلوشي ويوسف البغلي و كل طاقم مسرحية ساعة موريس على العمل العالمي الجميل المبتكر، ونترقب الأفضل الذي أنتم أهل له.

التقييم النهائي: 


7 من 10


دلال البارود

No comments:

Post a Comment